الشيخ البهائي العاملي

89

الكشكول

قال فيلسوف : كما أنّ الآنية تمتحن بأطنانها « 1 » فيعرف صحيحها ومكسورها فكذلك الانسان يعرف حاله بمنطقه . مر رجل على أبي بكر ومعه ثوب فقال له أبو بكر : أتبيعه ؟ فقال : لا يرحمك اللّه ، فقال أبو بكر : لو تستقيمون لقومت ألسنتكم ، هلا قلت لا ويرحمك اللّه ؟ ! . قال كاتب الأحرف : اعتراض أبي بكر غير وارد على ذلك الرجل لاحتمال أن يكون قصده من قوله : لا يرحمك اللّه معنى غير محتاج إلى الواو فتأمل . وحكي أنّ المأمون سأل يحيى بن أكثم عن شيء . فقال : لا وأيد اللّه الأمير فقال المأمون : ما أظرف هذا الواو وما أحسنها في موضعها . وكان الصاحب يقول هذا الواو أحسن من واوات الأصداغ . قالت الأشاعرة : شكر المنعم ليس بواجب أصلا ، ومثلوها بتمثيل ، فقالوا : وما مثله إلا كمثل الفقير حضر مائدة ملك عظيم يملك البلاد شرقا وغربا ويعم البلاد وهبا ونهبا فتصدق عليه بلقمة خبز ، فطفق يذكره في المجامع ، ويشكره عليها بتحريك أنملته دائما لأجله ، فإنه يعد استهزاء بالملك ، فكذا هنا ، بل اللقمة بالنسبة إلى الملك وما يملكه أكثر مما أنعم اللّه به على العبد بالنسبة إلى اللّه وشكر العبد في قلتها أقل قدرا في جنب اللّه من شكر الفقير بتحريك إصبعه . وأتت المعتزلة بتمثيل آخر أحسن منه ، فقالوا التمثيل المناسب للحال أن يقال : إذا كان في زاوية الخمول وهاوية الذهول « 2 » رجل أخرس اللسان ، مشلول اليدين والرجلين ، فاقد السمع والبصر ، بل لجميع الحواس الظاهرة والمشاعر الباطنة ، فأخرجه الملك من تلك الهاوية ، وتلطف عليه باطلاق لسانه وإزالة شلل أعضائه ، ووهب له الحواس لجلب المنافع ودفع المضار ورفع رتبته وكرمه على كثير من أتباعه وخدمه ، ثم أنّ ذلك الرجل بعد وصول تلك النعم الجليلة إليه ، وفيضان تلك التكريمات عليه ، طوى عن شكر ذلك الملك كشحا « 3 » وضرب عنه صفحا « 4 » ولم يظهر منه ما ينبئ عن الاشعار بشيء من تلك النعم أصلا ، بل كان حاله قبلها كحاله بعدها من غير فرق بين وجودها وعدمها فلا ريب أنه مذموم بكل لسان ومستحق للإهانة والخذلان . وحكي أنّ بعضهم دخل على عدوه من النصارى فقال له : أطال اللّه بقائك ، وأقر عينك ،

--> ( 1 ) الأطنان : جمع الطنين . ( 2 ) الذهول : الغفلة ( 3 ) كشحا : اي ادبر معاداة ( 4 ) صفح صفحا : اعرض عنه .